لقد أشعل الإيمان بقدسية الدم وإراقته أكثر الصراعات دموية في تاريخ البشرية. ولم تكن الحربان العالميتان الأولى والثانية سوى صدام بين قوميين رومانسيين. وكان تيار القومية الرومنسية أكثر وضوحا في ألمانيا إلا أنه كان له تأثير في نفس الحقبة الزمنية في المجتمعات الإنجليزية والفرنسية والروسية حيث تسبب في جر هذه الدول إلى محارق الحروب. لقد صب هذا التيار الزيت في حرائق صغيرة كان يمكن حلها عن طريق الدبلوماسية ليتسبب في مذبحة هائلة أريقت فيها دماء الملايين من البشر.

إن فهم آثار القومية الرومنسية ونتائجها يقتضينا دراسة تطورات الحرب العالمية الأولى. فعلى الرغم من اشتراك دول كثيرة في تلك الحرب إلا أن حفنة قليلة من هذه الدول لعبت دورا محوريا فيها. ففي أحد جانبي الصراع كانت تقف انجلترا وفرنسا وروسيا، في حين كانت تقف على الجانب الآخر ألمانيا والمملكة المجرية النمساوية. وكان جنرالات الحرب من الطرفين مجمعين على استراتيجية عند بداية الحرب مفادها أنه يمكن تفريق صفوف العدو والقضاء عليها بشن هجوم قوي الأمر الذي يتيح تحقيق نصر في غضون أسابيع قليلة.

في عام 1914م غزت ألمانيا فرنسا وبلجيكا فجأة، وبعد التقدم المبدئي الذي حققه الجيش الألماني اشتبكت قوات الجانبين في معركة حامية سحبت ألمانيا على إثرها الخطوط الأمامية لجيشها المهاجم ولم تحرز ألمانيا أي تقدم إضافي خلال ما يقرب من ثلاث سنوات ونصف السنة. هاجم كل طرف الطرف الآخر باستمرار أملا في شق جبهة الخصم إلا أن الوضع بقي كما هو دون تغيير يذكر. وفي معركة فيردون الشهيرة التي وقعت بسبب الهجوم الألماني قتل 315.000 جنديا فرنسيا و280.000 جندي ألماني مقابل تقدم ألماني لا يتجاوز بضع كيلومترات. وبعد أشهر لاحقة شن الفرنسيون والإنجليز هجوما مضادا في معركة سوم قتل فيه 600.000 جندي ألماني وما يزيد على 400.000 جندي إنجليزي وحوالي 200.000 جندي فرنسي.

ومع ذلك لم تتراجع الجبهة الألمانية سوى 11 كيلومتر فقط. واتخذ قادة الاستراتيجية العسكرية في الجانبين، تلهب مشاعرهم وحماسهم أناشيد المارشات العسكرية والأشعار الحماسية التي كانت تمجد "الروح الألماني" و "الشرف الإنجليزي" و "البسالة الفرنسية"، قرارات طائشة تسببت في قتل شعوبهم. كما عانى أكثر الجنود الذين نجوا من الموت بعد بقائهم في الخنادق الوحلة لثلاث سنوات ونصف السنة دون أن يكون في مقدورهم رفع رؤوسهم بسبب القصف العنيف الذي لا ينقطع، عانوا هم أيضا أمراضا نفسية وعقلية بسبب الأهوال التي تعرضوا لها. 

إن أحد نماذج للقتل العبثي الذي سببته القومية الرومنسية في الحرب العالمية الأولى يتمثل في الهجوم الذي قاده الجنرال الفرنسي روبرت نيفيل في أبريل من عام 1917م ضد ألمانيا. لقد صرح نيفيل قبل المعركة بأنه "سيتمكن من تفريق صفوف الألمان في غضون يومين وسيحقق نصرا ساحقا على الألمان في ظرف أسبوع واحد". ورغم أن الجيش الألماني كان في موقف وموقع أفضل إلا أن الجيش الفرنسي تقدم للوفاء بهذا العهد غير العقلاني وشرع في الهجوم في 16 أبريل، إلا أن الهجوم الذي تمنوا انتهاءه في يومين استمر لما يزيد على شهر ونصف الشهر دون نتيجة تذكر سوى موت مئات الآلاف من الجنود ثم ظهور بادرة التمرد في أوساط الجنود الفرنسيين في نهاية الأمرثم ما لبثت هذه العقلية المتعطشة للدماء أن برزت إلى السطح ثانية في الحرب العالمية الثانية، إلا أن ضحاياها هذه المرة كانوا أكثر منهم في الحرب العالمية الأولى. إذ لقي 55 مليون شخص حتفهم بسبب الطموحات الخيالية التي كانت تلعب بأذهان رومانسيين مهووسين مثل هتلر وموسيلني وستالين.

ولا يقتصر أثر الرومنسية على ميدان الصراعات الدولية فحسب بل لها يد طولى في ما يثور من حروب واعتداءات بين مختلف الدول والقبائل والتنظيمات. إذ يفزع الملايين إلى السلاح دون إدراك واضح للعوامل المتصلة بالوضع الذي يعيشون في ظله تلعب بعقولهم وعواطفهم الشعارات العاطفية وقصص البطولة والأشعار والأناشيد الحماسية فيسفكون دماءهم ودماء أعدائهم في مسعى فوضوي يقود العالم إلى مهاوي الدمار. 

ذكرنا في الأجزاء السابقة من هذا الموضوع أن الرومنسية سلاح يستخدمه الشيطان ليبعد الناس عن صراط الله المستقيم وليوقعهم في مستنقعات البؤس. ويظهر هذا الفخ الذي نصبه الشيطان للإنسانية بوضوح في اتجاه القومية الرمانسية ويحدثنا الله في القرآن الكريم كيف يسوق الشيطان أتباعه تلقاء مهاوي الرعب والفوضى والشنآن:

(قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا ) (الإسراء/ 63-64)
.
تبيّنن الآية الكريمة كيف يسيطر الشيطان على المنقادين لسلطانه "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" و"أجلب عليهم بخيلك رجلك" أي وسائل إثارة القومية الرومنسية.


الداروينية : المنطلق الفكري للقومية الرومنسية

اتكأ القوميون الرومنسيون على بعض الفلسفات والنظريات التي توصف زورا بالعلمية لتسويغ ولعهم بسفك الدماء. وأم هذه النظريات هي نظرية التطور والنشوء التي وضعها شارلس دارون ألف دارون، وهو عالم أحياء إنجليزي، كتابا أطلق عليه اسم "أصل الأنواع" ونشره في عام 1859م. قرر دارون في هذا الكتاب أن صراعا قاسيا يجري في الطبيعة تتطور على إثره الكائنات الحية وطبقا لنتائجه تظهر في الوجود أنواع جديدة من الكائنات الحية. وبعبارة أخرى، وبحسب رأي دارون فإن الصراع هو أساس التطور في الطبيعة. وفي كتاب آخر عنوانه "مجيء الإنسان" نشر في عام 1871م طرح دارون أفكاره بوضوح أكثر مؤكدا أن بعض أعراق البشر أكثر تقدما من الأعراق الأخرى ليضع بذلك الأساس للعنصرية العلمية. وبناء على هذه النظرية اعتقد دارون أن العرق الأبيض الأوروبي متقدم على الأعراق الأفريقية والآسيوية التي وصفها بالبدائية، وبانتشار نظرية دارون لقي العنف والعنصرية دعما واسعا وسريعا إلى حد غدت معه "حقيقة علمية".
.

وبهذا تتضح الصلة بين الداروينية والقومية الرومنسية، فقد كانت نظرية دارون هي الأساس الذي نبع منه ولع القوميين الرومنسيين بالصراع وهوسهم بالتفوق العرقي على الشعوب الأخرى. ويستطيع المرء أن يرى بوضوح الأثر الكارثي للداروينية في مقدار سفك الدماء الذي وقع في الحرب العالمية الأولى. فقد دفع الجنرالات الألمان والفرنسيون والإنجليز والروس والنمساويون بمئات الآلاف من الجنود إلى مصارعهم دون مسوغ. وكان منطلقهم إلى ذلك شعار دارون القائل: "تتطور الكائنات الحية عبر الصراع وترتقي الأعراق إلى مراق السمو والهيمنة بواسطة الحرب" هذا الضرب من التفكير هو الذي حفزهم إلى اتخاذ قرارات الحرب.
.
إن الصلة بين الحرب ونواميس الصراع الطبيعي كانت قناعة حملها مثلا فردريش فون بيرنهاردي أحد جنرالات الحرب العالمية الأولى. صرح بيرنهاردي قائلا: " الحرب ضرورة بيولوجية" ويضيف: "إنها تضاهي في الأهمية صراع عناصر الطبيعة، إذ إنها تفرز قرارات صائبة من الناحية البيولوجية وذلك لأن قراراتها تنبع من طبيعة الأشياء".4

وكتب القائد العام لجيوش الامبراطورية النماسوية المجرية، الجنرال فرانس بارون كونراد فون هويتزيندروف في مذكراته التي سطرها بعد الحرب قائلا: "إن الأديان ذات الصبغة الإنسانية والتعاليم الأخلاقية والمبادئ الفلسفية قد تسهم في الحد من صراع الإنسانية من أجل البقاء في صورته الأولية، ولكنها لن تفلح في القضاء على هذا الصراع بوصفه دافعا محركا للعالم. وعلى أساس هذا المبدأ حدثت كارثة الحرب العالمية والتي جاءت كمحصلة للقوى الدافعة الكامنة في حياة الدول والشعوب، مثلها في ذلك مثل عاصفة رعدية تحتم طبيعتها أن تفرغ حمولتها".5

وكتب كيرت ريزلر مساعد المستشار الألماني ثيوبالد فون بيثمان-هولويغس في عام 1914م قائلا: "إن العداء المطلق والأزلي مركوز في أصل العلاقات بين الناس، وإن مظاهر العداء التي نشاهدها في كل مكان ليست أثرا من آثار انحراف الطبيعة الإنسانية وإنما هي جوهر العالم ومصدر الحياة ذاتها".6


تشجع الرومنسية قيام رابطة عاطفية بين المنضوين تحت لوائها ولكنها تحض على بغض واحتقار الآخرين وهذه الروح تنسجم تماما مع مفهوم داروين لـ "صراع الأعراق من أحل البقاء" وعندما تطبق نظرية دارون في حقل العلوم الاجتماعية نجدها تأخذ اسم "الداروينية الاجتماعية"، كما أنها كانت متكأ رئيسا لتسويغ العنصرية والقومية الرومنسية. كتبت جانيت بيهل ضمن مقال بعنوان: "البيولوجيا وتطوير الفاشية في الجناح اليميني المتطرف في ألمانيا" كتبت تقول عن هذا الموضوع:

"للداروينية الاجتماعية جذور عميقة في الجناح اليميني المتطرف في ألمانيا. فعلى غرار الداروينية الاجتماعية الأنجلو أمريكية، أسقطت الداروينية الاجتماعية الألمانية المؤسسات الإنسانية الاجتماعية على العالم غير الإنساني بحسبانها "قوانين طبيعية" ثم استندتت على هذه "القوانين" للقول بأن الإجراءات الإجتماعية لبني الإنسان ظاهرة طبيعية. كما أنها طبقت مبدأ "البقاء للأصلح" على المجتمع. لكن في حين تصورت الداروينية الاجتماعية الأنجلو أمريكية "الأصلح" بأنه رجل الأعمال الفرد الذي يعمل ويعيش في غابة رأسمالية متوحشة، نجد أن الداروينية الاجتماعية الألمانية فهمت مصطلح "الأصلح" من منطلقات عرقية. وهكذا فإن "الأصلح" ليس فقط سيبقى بل يجب أن يبقى بعد أن يطيح بكل منافسيه في حلبة الصراع على البقاء".7


لقد كان عالم الأحياء إرنست هيغل (1834-1919م) من أهم وأبرز ممثلي الداروينية الاجتماعية في ألمانيا. عزز هيغل الداروينية بطرحه للنظرية التي تلخصها عبارة "تطور كائن فرد" والقائلة بأن الثدييات تكرر عملية التطور في تطورها الجنيني (تبيّن بعد سنوات لاحقة أن هذه النظرية لا أساس لها وأن هيغل قد زوّر الخرائط والرسوم البيانية التي استخدمها لإثبات نظريته وتوضيحها).

أسس هيغل ”عصبة المونيست“ Monist League وهي جمعية هدفت إلى نشر الإلحاد وأصبحت في ذات الوقت محورا تدور حوله المبادئ العنصرية والقومية الرومنسية. وفي العشرينيات من القرن العشرين تأثرت الحركة النازية، التي كانت في طور التكوين بقيادة هتلر، بأفكار هيغل و"عصبة المونيست". يقول المؤرخ دانييل غاسمان عن هذه التطورات في كتابه المعنون: ”الأصول العلمية للاشتراكية القومية: الداروينية الاجتماعية عند إرنست هيغل وعصبة المونيست الإلمانية“ : "يرجع الفضل في قيام الداروينية الاجتماعية الألمانية ذات النزعة العنصرية إلى هيغل. فقد ساعدت أفكاره على صياغة التوجهات العنصرية والإمبريالية والرومنسية والقومية والعداء للسامية في بناء أيديولوجي موحد.

إن هيغل هو الذي حشد العلم لمؤازرة أفكار فولكيسم التي كانت توصم بالغموض واللاعقلانية".8

وكتب غازمان أيضا يقول: "قد يقول قائل لو كانت الداروينية في انجلترا امتدادا للنزعة الفردية القائمة على مبدإ "دعه يعمل دعه يمر" بعد نقلها من عالم الاجتماع وإسقاطها على عالم الطبيعة، فقد كانت في ألمانيا إسقاطا للرومانسية الألمانية والفلسفة المثالية. إن الشكل الذي اتخذته الداروينية في ألمانيا كان دينا علميا مزيفا يقوم على عبادة الطبيعة وغموض الطبيعة مضافا إليه أفكارا عنصرية".9

وفي ذات المنحى كتبت جانيت بيهل قائلة: "كان هيغل يؤمن كذلك بالقومية والعنصرية الغامضة ولهذا كانت الداروينية الاجتماعية الألمانية من أول يوم مفهوما سياسيا أعطى العنصرية والقومية الرومنسية بعدا علميا زائفا".10

خاتمـة

إن كل ما ذكرنا يظهر مجددا أن الرومنسية نزعة نفسية ورؤية للعالم خارجة عن حدود الدين ومعادية له. ويتضح هذا أيضا من حقيقة أن الداروينية التي كانت تقريبا مرادفة للإلحاد منذ أن طرحها دارون على الناس، هي رومانسية ضمنية إن علاقة القومية الرومنسية بالداروينية ودورها في صعود الحركة النازية، تكشف عن حقيقة مهمة أخرى وهي أن الرومنسية مؤذية للأفراد وللمجتمعات. وإن ضحايا هذا الاتجاه يسهل جرهم إلى طريقة تفكير مناهضة تماما للعقل والحكمة والضمير الأصيل. فقد ينجرون مثلا إلى الاعتقاد بأن العرق الذي ينتمون إليه متفوق على جميع الأعراق الأخرى، وأن لهم الحق في شن الحروب وغزو الدول واحتلال معظم أراضي العالم، وأنه يجوز لهم استعباد الأمم والشعوب الاخرى وإبادتها.


لقد كانت النازية الألمانية مثالا تاريخيا واضحا يظهر قسوة ووحشية القومية الرومنسية وولعها بالهدم. فعندما وصل النازيون إلى سدة الحكم في عام 1933م شن هتلر وأعوانه من الجنرالات حملة لنشر المشاعر الرومنسية، وفي غضون فترة وجيزة تبنى المجتمع الألماني ترهات القومية الرومنسية الفارغة. وبنهاية عقد الثلاثينيات من القرن الماضي كانت الغالبية العظمى من الألمان تؤمن بـأنه لن يمر وقت طويل حتى تقوم إمبراطورية ألمانية (الرايخ الثالث) تتمكن من حكم العالم أجمع ويمتد عمرها إلى ألف عام. وآمن الألمان أن تحقيق هدفهم يحتم عليهم تطهير العرق الألماني وتنقيته بالتخلص من جميع الأقليات العرقية في البلاد. كما اعتقدوا أن هتلر قائد لا يمكن هزيمته ويمتلك قدرات خارقة وسيقودهم إلى نصر محقق. لقد سحر هتلر بخطبه الغاضبة والمهووسة والعنصرية الألمان وأفقدهم الإحساس بالواقع.

لقد كانت مسيرات نوريمبرج الشهيرة التي كان ينظمها تنظيم النازيين دليلا واضحا على غسيل الأدمغة الرومنسي الذي كان يجري للألمان في ذلك الوقت. ولقد وصف الباحثون الأمريكيون الثلاثة: ميشيل بيغنت ورتشارد ليه وهنري لينكولن هذه اللقاءات النازية بالعبارات التالية:

"لم تكن مسيرات نورمبرج سيئة السمعة من شاكلة المسيرات السياسية التي تقع في الغرب اليوم ولكنها كانت إعدادا مسرحيا خبيثا مثل عنصرا مكملا للمهرجانات الدينية الإغريقية. لقد كان كل شيء – ألوان الأزياء والرايات ووضع النظارة والساعة الليلية واستخدام الأضواء الغامرة والتوقيت – محسوبا بدقة متناهية. لقد أظهرت عروض الفيديوكليب الناس وقد بلغوا من الإثارة كل مبلغ وهم ينشدون في لذة ونشوة مرددين شعار "سيغ هيل" Sieg Heil ويقدسون الفوهرر وكأنما هو إله. وكانت تبدو على وجوه الجماهير ملامح غبطة مجنونة. لم يكن ذلك الحال نتيجة لقناعة الناس بما يقوله لهم الفوهرر، وذلك لأن خطب هتلر لم تكن مقنعة البتة. فقد كانت خطب هتلر في الغالب مبتذلة وصبيانية ومكررة ولا قيمة لها، إلا أن طريقة هتلر في الإلقاء كانت مشحونة بطاقة سامة وكان لها نبض إيقاعي مخدر مثل قرع الطبول، وحين يضاف إلى هذا عدوى العاطفة الجماهيرية الجياشة وضغط آلاف الناس المحتشدين في منطقة محصورة، تكون النتيجة هستيريا جماهيرية هائلة. إن المرء ليشاهد في التجمعات النازية التي يخاطبها
هتلر تغييرا للوعي كذلك الذي ينسبه الأطباء النفسانيون إلى تجربة نفسية غامضة".11

ولو تحرينا الدقة لقلنا إن اللقاءات الجماهيرة النازية كانت بمثابة جلسات تنويم مغناطيسي جماهيري تٌجرّد فيها الجماهير من ملكة التفكير وتخضع لسلطان العاطفة مما يسهل قيادتها إلى جميع ضروب الشر والفساد. ولهذا يسهل تضليل الشخص الرومنسي. إذ يمكنه أن يصبح في ظل ظروف مناسبة وفي وقت وجيز عنصريا أو فاشيا متحمسا. كما يمكنه أن يصبح مجندا شيوعيا يهاجم الناس الأبرياء وهو يردد أناشيد المارشات اللينينية أو أن يفقد عقله إلى درجة يقدم معها على إشعال النار في جسده في سبيل ما يعتبره قضية عادلة. إن من الممكن أن يكون الرومنسي قاسيا ووحشيا في لحظة ما في حين تجده يبكي بحرارة في لحظة أخرى. وليس ثمة حدود للجنون الذي ينشأ حين تتعطل آلة الحكمة ويصبح المرء أسيرا لعواطفه أو بالأحرى للمشاعر غير العقلانية التي يهيجها الشيطان في دواخله.


4- M.F. Ashley-Montagu, Man in Process, World Pub. Co., New York, 1961, pp. 76-77 ;  cité dans Bolton Davidheiser, W E Lammers (ed) Scientific Studies in Special Creationism, 1971, pp. 338-339
5- Hoetzendorff, Aus Meiner Dienstzeit, IV, pp. 128-129 ;  cité dans James Joll, Europe Since 1870: An International History, Penguin Books, Middlesex, 1990, p. 164
6- J.J. Ruedorffer (pseudonyme K. Riezler), Grundzüge der Weltpolitik in der Gegenwart, Stuttgart et Berlin, 1914, p. 23 ; cité dans  James Joll, Europe Since 1870: An International History, Penguin Books, Middlesex, 1990, p. 164
7- Janet Biehl, "'Ecology' and the Modernization of Fascism in the German Ultra-right", Introduction to Ecofascism, Lessons From the German Experience, Janet Biehl et Peter Staudenmaier, Ak Press, 1995, Ecosse
8- Daniel Gasman, The Scientific Origins of National Socialism: Social Darwinism in Ernst Haeckel and the German Monist League, Londres, Macdonald & Co., 1971, pp. Xxiii
9- Daniel Gasman, The Scientific Origins of National Socialism: Social Darwinism in Ernst Haeckel and the German Monist League, Londres, Macdonald & Co., 1971, pp. xxii-xxiii
10- Janet Biehl, "'Ecology' and the Modernization of Fascism in the German Ultra-right", Introduction to Ecofascism, Lessons From the German Experience, by Janet Biehl and Peter Staudenmaier, Ak Press, 1995, Ecosse
11- Michael Baigent, Richard Leigh, Henry Lincoln, The Messianic Legacy, Corgi Books, Londres, 1991, p. 199





مواضيع ذات صلة
الثقافة والمجتمع,