تطرح الرومنسية على العقل حجابا كثيفا وتجعل صاحبها صيدا سهلا للشيطان. ويستخدم الشيطان أداة الرومنسية ليهدي المحرومين من نعمة الدين من الناس والمجتمعات إلى مختلف ألوان الفساد والانحراف. وقد عرضنا في القسم الأول من هذا الموضوع بعض الأمثلة الإستراتيجية للشيطان ورأينا كيف استغلت أيديولوجيات مثل القومية الرومنسية والشيوعية مبدأ الرومنسية لتقود الناس والمجتمعات إلى الدمار. إننا نشاهد في حياتنا اليومية ألوانا شتى من الرومنسية. وسنعرض في مايلي إلى أحد أنماط الرومانسية :
 

الــحــزن الــتــشــاؤم

 

ركز الله في طبيعة البشر ميلا وكلفا بالجمال ورغبة في العيش السعيد الهانئ، ولهذا فإن من الطبيعي أن يرغب الإنسان في التخلص من الأوضاع الكريهة أو في تحويلها إلى أوضاع محببة بأسرع ما يمكن. والحق أن راحة البال وسلامة الروح عوامل مهمة لصحة العقل والجسد. لكن الناس حين يصدرون عن مشاعرهم ورغباتهم وأهوائهم، وفي غيرما اكتراث لتعاليم القرآن، فستطحنهم مشاعر الحزن والخوف والقلق.

فحين لا يدرك المرء طبيعة القدر ولا يستوعب معنى أن يكل المرء أمره لله ويخضع لإرادته خضوعا كاملا كما علمنا القرآن، يغدو في حالة من الصراع المستمر مع القلق الناشئ من جهله بما سيحدث له أو لمن يحيطون به في أي لحظة. في حين أنه إذا عاش حياته وفق منهج الله وطبق الشريعة التي جاء بها القرآن، فإنه سيكون بمفازة من هذا القلق وما عداه من مشاكل. وقد بين الله هذه الحقيقة بواسطة رسله وذلك بقوله :

(... فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه/ 123-124).

كما تبين الآية أعلاه، فإن كثيرا من الناس يعرضون عن آيات الله فتستحيل حياتهم بسبب ذلك إلى شقاء وتعاسة. وفوق ذلك، وطالما أنهم يعتقدون أن الصدفة هي القانون الذي يحرك الحياة فإنهم يضيقون ذرعا بما يصادفهم من عقبات على الرغم من أن ثمة احتمالا أن تنطوي هذه الحوادث غير السارة على فوائد ومنافع لهم. إن أذهانهم مشغولة أبدا بهاجس الخوف من فقدان الوظيفة والسقوط في وهدة الفقر، وبهاجس الخوف من الخداع والمرض. فإن طمعوا في المجد خافوا أن تنالهم سهام السخرية، وإن تطلعوا إلى الوفاء خشوا أن يقابل وفاؤهم بالعقوق. وتتقمصهم حالة من التشاؤم حين تلوح لهم إمكانية تلقيهم أخبارا غير سارة في أي لحظة، أو أن تمتد إليهم يد شخص ما أو لسانه بالأذية والضير.

بل تراهم في غمرة سعادتهم مهمومين قلقين لاعتقادهم أن لحظات الفرح لا تدوم. إن حياتهم بهذا الوصف كابوس حقيقي. ويبين الله في إحدى آيات القرآن مقدار القلق والضنك الذي يحس به الذين لا يلقون للقرآن بالا:

(فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام/ 125).

لا غرابة في فقدان المحرومين من نعمة الدين للشعور بالأمن وراحة البال، وذلك لأنهم يخالطون أشخاصا تجردوا من أخلاق القرآن، كالحنان والرحمة والإيثار والوفاء والتضحية والتواضع. إن الشخص العاطفي يتأذى من العيش في بيئة تزخر بالغش والأذى، ولا يمد أهلها أيديهم بالعون للآخرين إلا بمقابل مادي، ولا تنبت صداقة إلا على تربة المنفعة، ولا تبدر فيها من أحد غلطة إلا ووجه بالغضب والسخط، بيئة يسودها الظلم وتنتصب فيها سوق الغيبة والنميمة والخداع.

لكن إذا حدث أن تيسر للشخص العاطفي العيش في بيئة تلائمه ما كان ثمة تغيير يذكر، فهناك على الدوام ما يزعجه ويضايقه. فسواء كان الطقس حارا أو باردا أوكان ممطرا أو عاصفا، فإن هذا الشخص العاطفي دائم التبرم والضيق، وما ذلك إلا مصداقا لقوله تعالى:

 (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) (المعارج 19 - 20).

إن جريان الرياح بما لا يشتهي المحرومون من الإيمان هو سبب آخر مهم للتعاسة التي تكتنفهم. فقد تعد امرأة رومنسية وجبة لزوجها ثم تتلبسها حالة من الحزن إن لم تسمع من زوجها إطراء ومدحا لجودة طبخها. والأمثلة على هذا الضرب من السلوك كثيرة.

إن الشخص الذي يقيّم وضعا ما بشكل سطحي ويتعامل معه بعاطفية لا يمكنه إدراك حقيقة أن هذه المحنة التي ألمت به قد تتحول إلى منحة في نهاية الأمر. هب مثلا أن شخصا ما غضب لأنه لم يدرك حافلة كان يريد أن يسافر فيها إلى جهة ما ، فمن أدراه أن هذه الحافلة قد تتعرض لحادث سير بعد لحظات من تحركه؟ فلربما شاء الله له أن لا يلحق بالحافلة حتى ينجو من حادثة السير هذه.

يتسخط الناس ويندبون حظهم إن أصابهم مكروه أو جرت الأمور على غير ما يتمنون، في حين أن من الخير جريان الأمور على هذا النحو لأن القدر قد سبق بذلك. فلو كشف الله لهم حجب الغيب فأراهم حقيقة ما يسمونه سوء حظ لتبين لهم أن حزنهم لم يكن تصرفا رشيدا، ولعلى وجوههم البشر والحبور.

وعليه فإن من العقل أن يؤسس المرء حياته على الخضوع لإرادة الله. وإن المؤمنين الذين لديهم هذا الوعي يحيون في بحبوحة من الأمن وراحة البال، ينتظرون ما يتكشف عنه القدر برضا وهدوء كمن يشاهد فيلما.

يظن كثير من الناس أنه لا سلطة للقدر في حياتهم إلا في مسألتي الميلاد والموت وساعته المحتومة. إنهم يظنون أن الأمور تجري على سنن المصادفة المحضة ولا ارتباط لها بالقدر. وهو وهم يدفعهم إلى التمرد على اختيار الله لهم، ويسلمهم إلى مشاعر اليأس والسخط. ولهذا فإن عمر السرور الذي يجده العاطفيون من الناس قصير جدا، وذلك لأنهم في غمرة سعادتهم يتذكرون حادثة محزنة فيرتكسون ثانية لتعاستهم الكئيبة. وهؤلاء الناس لن يكون مآلهم في الآخرة بأحسن من حالهم في الحياة الدنيا:

(قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) (المؤمنون: 106).

صحيح أن الله قد يختبر عباده بشيء من ألوان المعاناة في الحياة الدنيا، إلا أن المؤمن الحق لا يستسلم لمشاعر اليأس والحسرة والتشاؤم ولا يتصرف بعاطفية إذا طوقته مثل هذه الهموم. فهو يعلم أن الله يريد أن يرى كيف يصنع ساعة المحنة، كما يعلم أن الحل لا يتمثل في البكاء والعويل. بل يكمن الحل في التضرع وطلب العون من الله:

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّـرُونَ) (النمل/ 62).

فهو واثق من أن فرج الله قريب وأن دعاءه مستجاب وقد وعد الله عباده المؤمنين في القرآن بما يلي:

(أَلاَ إِنّّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ) (يونس/ 62-64).

فحكمة الله تعالى كثيرا ما تختفي وراء أحداث تبدو لنا شرا وبلاء. وهكذا فإن الإيمان والرضا بقضاء الله وقدره يفرغ في النفس السكينة والهدوء. أما الرومنسية فإنها تحجب الناس عن إدراك حقيقة أن أمرهم كله بيد الله تعالى، وتجعلهم يتعاملون مع الأمور بفرح غامر أو حزن جارف. ويبين الله في القرآن أن هؤلاء الناس مذبذبون بين اليأس والغرور، وأن الفرق بينهم وبين المؤمنين هو:

(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (هود/ 9-11).





مواضيع ذات صلة
الثقافة والمجتمع,