يحسن بنا قبل أن نتحدث عن مفهوم الحب الرومنسي أن نبين حقيقة مفهوم الحب عند المؤمنين إن المؤمن يدرك أن الله هو معبوده الأوحد فيتوجه إليه بقلب عامر بالحب ولا غرابة في ذلك فالله هو الذي خلقه وهداه وأنعم عليه بالعقل وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة فالله تعالى قد منّ عليه بجميع ما يحتاج إليه وهو الذي يوالي عليه خيراته ففي هذه الدنيا ما لا يحصى ولا يعد من النعم.

والعبد حين يخضع لإرادة خالقه يكون مستحقا لحب الله ورضاه الأبدي وعليه فإن الله هو الذي يستحق محبة المؤمنين دون سائر الأشياء يقول الله تعالى:

(وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) الشرح 8

والحب الذي يشعر به الناس تجاه بعضهم البعض ينبغي أن يكون لله وفي الله فيحب المؤمن الأشخاص الذين يدينون لله بالطاعة وهذا هو الحب الحقيقي لأنه حب لصفات الله التي تتجلى في هؤلاء الناس.

ومن الأسباب المثيرة لعاطفة الحب داخل الإنسان ما يراه الشخص في الطرف المقابل من جمال خارق لا يملك نفسه إزاءه فيقع في حبه فإذا وجد هذا الشعور استجابة من الطرف المقابل توطد ذلك الحب وجرفهما في قارب واحد لكن ينبغي أن يكون المهم هنا توجيه عاطفة الحب هذه إلى مستحقّها وهو صاحب العلم وخالق الجمال ومصدره.

فعندما يعرف الإنسان مصدر الجمال وخالقه وصفاته يدرك أن جميع ما يراه من روعة وإبداع إنما يمثل صورا متعددة لتجليات القدرة الإلهية فهذه الصفات الإلهية العظيمة تتجلى بأشكال شتى في عباده وتنعكس في كثير من مخلوقاته.



لهذه الأسباب جميعا ينبغي أن لا يُختص أحد من دون الله بالحب فالحب الذي نشعر به تجاه بعض الأشياء ينبغي أن يكون باعتباره من تجليات القدرة الإلهية أما إذا أحب الإنسان شخصا أو شيئا ما بمعزل عن الله ونظر إليه على أنه وجود مستقل عنه وأحبه كحبه لله أو أشد حبا فإن ذلك يصبح من علامات الشرك.

( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) البقرة 165


هناك ألوان شتى من الوثنية التي تشيع في المجتمعات وتنشأ من الحب الكاذب وغير المشروع. إن تقديس المرء لأبيه أو لأبنه أو لأسرته أو لأسلافه بشكل منفصل عن حب الله إنما هو تعبير عن أشكال الحب الخاطئ وغير المشروع.

وفي الآية أدناه يبين نبيّ الله إبراهيم عليه السلام كيف أن حب الوثنيين لبعضهم بعضا قد أوقعهم في الإعراض عن الله واتخاذ أصنام يتوجهون إليها بالعبادة يقول إبراهيم عليه السلام

(وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ) العنكبوت 25


وهكذا يخبرنا القرآن كيف أن هذه المودة ستتحول إلى عداوة وشنآن في عرصات القيامة والسبب أن الناس حين يهيمون ببعضهم بعضا فإنهم في الواقع يمارسون الوثنية وهو ما سوف يرديهم في عذاب مقيم يوم القيامة، أما المؤمنون فإن قلوبهم لا تقبل أن تحب إنسانا أو شيئا من الأشياء كحب الله أو أشد حبا وفي الآية الكريمة يبين الله تعالى مصير من يشرك مع الله أناسا آخرين في المودة:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) البقرة 165

توضح الآية الكريمة أن المؤمنين يحبون الله أكثر من أي شيء آخر ومعنى هذا أن المؤمنين أخلصوا المحبة كلها لله خلافا لأولائك الذين أشركوا في المحبة فلم يكونوا صادقين في إيمانهم و لم يعرفوا الله حق معرفته. و لم يقدروا الله حق قدره

( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الزمر 64-65


لذلك فهم يوجهون مشاعر المودة إما إلى أنفسهم أو إلى أناس آخرين مثل الآباء أو الأبناء أو الإخوة أو الأزواج أو الزوجات أو إلى أناس يعتبرونهم قدوة في حياتهم أو إلى أناس قد انبهروا بهم وخطفوا أبصارهم. وبعض الناس يتعلقون بأشياء أخرى إلى جانب محبوبيهم هؤلاء، وقد تكون أشياء محسوسة مثل المال أو البيت أو السيارة أو أشياء أخرى غير محسوسة مثل الجاه والسمعة والمكانة.

صفوة القول أن الحب الذي لا يسترشد بالإيمان إنما هو ضرب من الوثنية لأن فيه نسبة الألوهية لغير الله. وهو بهذا الوصف حب رومنسي لأنه ليس في صلة بالله تعالى وفي القرآن يبين الله تعالى أنه لا خير في مثل هذا الحب وأن الفوز فوز الآخرة:

( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) آل عمران 14


إنه يتعين علينا أن نحب هذه الأشياء بوصفها مخلوقات لله، وأن ندرك أن الله وهبنا هذه الأشياء تفضلا منه ونعمة. والحب الإنساني شعور تتجلى فيه عظمة الله وروعة خلقه ففي القرآن يخبرنا الله أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم ولذلك فمن الضروري أن نغذي في قلوبنا حب الله من خلال طاعته والالتزام بالأخلاق الطاهرة. ولا يمكن مقارنة الحب الذي يشعر به المؤمن بالحب الذي يشيع في المجتمعات اللادينية، فحب المؤمن شعور جليل وعميق ومشرق.

وفي المقالات القادمة سوف نتحدث عن أولئك الذين لم يستطيعوا أن يعيشوا نعمة الحب التي أغدق الله به على قلوب البشر، وسوف نتوقف بشكل خاص عند العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة، وهو مثال جيد لتحول المودة الطاهرة إلى شرك يسوق أصحابه إلى المهالك.




مواضيع ذات صلة
الثقافة والمجتمع,